محسن محمود.. «قتلك الحسد»

محسن محمود.. «قتلك الحسد»
المصدر : المصري اليوم منذ : 5 اشهر, 2 اسابيع, 2 ايام, 11 ساعات, 44 دقائق

محسن محمود.. «قتلك الحسد»

لم أكن أتخيل يومًا عندما أكتب أول مقال في حياتي الصحفية أن يكون رثاء لشخص كان لي السند والضهر طوال السنوات الماضية في حياتي الصحفية وخارجها، أخذت منه الكثير من الخبرات في التعامل على كل الأصعدة، أخي وصديقي وحبيبي محسن محمود، «حقيقي وحشتني» كنت والفخر لي وسأظل أفتخر بأنني كنت الأقرب له خلال شهور مرضه الأخيرة، لازمته أوقاتا كثيرة في محنته سواء في بيته أو في المستشفي أو في عمله، شاهدته كيف كان يتعامل مع الناس، كنت أنظر إليه على أنه معلم كبير، لم يعلمني فقط كيف وصل لما وصل إليه من مكانة في قناة الحياة أو «المصري اليوم» لكن في قلوب الناس. ذكرياتي معه كثيرة جدًا، لو تحدثت عنها لن يكفيها مقال بل صفحات من كتاب عن كل فصل فيها، سواء منذ معرفتي به منذ أكثر من 15 عاما عندما كنت طفلا يمسك يدي ليمر بي الشارع خوفًا من السيارات، أو استقباله لي في أول يوم عمل بـ«المصري اليوم»، أو أعطائي الأجندة الخاصة به والتى بها أرقام المصادر الخاصة بعملنا في الوسط الفني. عندما حصل محسن محمود على إجازة لمدة عام من المصري اليوم زادت علاقتي به بشكل أقوي، تقابلنا كثيرًا حتي أخبرني ذات يوم في 18 مايو 2015 بدخوله المستشفي ولكنه لم يرغب في أن يعرف أحد بأنه هناك، ذهبت له وقمت بقراءة العديد من الأيات القرآنية لمعرفتي بأنه محسود لمواقف حدثت أمامي أكدت لي ذلك، لكني لم أتخيل بأن الحسد يصيبه بما أصابه، وأصبح خلال عام على وشك الموت بعدما علم الأطباء بإصابته بسرطان نادر في القولون وهو شديد الانتشار وتم اكتشافه متأخرًا. ظللت بجانبه يوميًا حتي بعد إجراء العملية الجراحية لاسئصال السرطان من القولون، وبعدها بفترة بدأ في استرداد جزء من عافيته الوهمية، ولكننا كنا نأمل أن يكون أتم الله معجزته بشفائه على خير لكنه كان شفاء وهميا، وكان حبي له يزداد يوميا بسبب نصائحة التي لم تتوقف أو إرشادته في كل حياتي العملية، حتي اختياره للزوجة التي كنت أريدها فكانت ترشيحه لي. سأحكي موقفا وهو على ما أعتقد بأنه سبب «قتل محسن»، لم أقل وفاته بل محسن مات «مقتولا من الحسد»، هذا الحسد الذي كان لا يكترث له محسن محمود ولم يشغل باله على مدار عام كامل، قام محسن قبل وفاته بعامين ونصف بشراء سيارة فارهة، لم يستمتع بها ولم يجر بها كما كان يتمني لأنه تعرض لوعكة جعلتها جليسة الرصيف، فكان كل عمله وتحركاته، ولي الشرف أن اكون رفيقه بسيارتي الذي كان يجلس فيها وضع قدمه على «التابلوه» كعادته فيها. بعد إجرائه الجراحة وبدأ في التعافي قال إنه يريد أن يخرج بسيارته ليفاجأ على أول الشارع بعد عده امتار من منزله بارتفاع درجة حرارتها فتوقف وقام بالاتصال بتوكيلها الخاص ليكتشفوا بأن «ترومبه الميه» تلفت، وقاموا بتغييرها وبعد أسبوعين من عودتها وخروجه بها مرة أخرى تلف الكمبيوتر الخاص بالعربية، ليعود بها للتوكيل ليبدأ المهندس الخاص بالدهشة لما يحدث فيها، وأثناء الكشف على السيارة التي لم تسر 30 ألف كيلومتر خلال أعوام شرائها وجد أن المساعدين الخاصة تلفت أيضًا وهو ما اثار دهشة مهندس التوكيل ليبدأ يسأل «هو في ايه في عربيتك» ليقول جملة شهيرة «دي راكبها عفريت»، لكنها يا صديقي أصابها العين، حتي إن المساحات أصابها اعوجاج شديد وتلف غير عادي بعد تغييرها للمرة الثانية. موقف آخر حدث في حياة محسن بسبب الحسد الذي قتله، في شقته الخاصة التي ما إن يعرف الناس ما حدث سيصيبهم الضحك والدموع في نفس الوقت، عندما قام بشراء شقته قام بتركيب أرضيات بورسلين فاخر، هذا البورسلين وخلال أعوام قليلة «تقوس» وخرج من مكانه بشكل غريب، حتي أن عامل تركيب البورسلين نظر إليه بغرابة ليقول بأن ما شاهده لم يره في حياته. هذه حكاية بسيطة أصابت سيارته وشقته، فما بالك بما أصاب محسن محمود الذي عاني الأمرين وهو يقترب من الرحيل بينما يخاف على والديه من عدم معرفتهم لخوفه عليهم من المرض. عانينا الكثير في آخر أيامه أنا وبعض أصدقائه المقربين الذي أحبهم كثيرًا لحب محسن لهم، لنخبر أهله حقيقة ما يدور في جسده حتى لا تصدم زوجته من بعد رحيله، وبالفعل أعاننا الله في ذلك وحضروا أهله لتوديعه إلى مشهد الرحيل إلى الخالق الكريم. يا محسن الحسد لم يتركك حتي بعد وفاتك فهناك من يحسدونك على حب الناس لك، فكنت أتمني أن أنقل لك حبهم ومشهد وداعك في بلدتك، والتي تم الدفن فيها في الثانية عشرة صباحًا في يوم الأحد، حيث تحولت صلاة الجنازة عليه لصلاة جمعة، فعندما دخلنا بالسيارة التي كانت تحمل العريس، لم نتخيل أنا وصديقي محمد أسامة ما يحدث عندما حملوها الناس وظل الصراخ يرتفع من الرجال «الصعايدة» على رحيل محسن، أصابنا الدهشة والضحك والدموع فرحًا من حب الناس، لكن عندما رحل إلى مثواه الأخيرة ودخل مدافن العائلة بالبلينا بسوهاج نظرت إلى صديقي شريف بديع النور لنقول هل من يدفن حقيقي محسن محمود، أعتقد بأننا حتي الآن نتساءل هل دفنا محسن محمود وعدنا. ما جلعني أصدق بأن محسن لم يمت هو أنني بعد وفاته بيوم قمت من النوم في السابعة مساءً لارتدي ملابسي لأذهب له، لأتذكر بأنني دفنته بيدي في اليوم السابق لأدخل في نوبه بكاء لم تتوقف حتى الآن. شكرًا يا محسن ولنا في الجنة بإذن الله لقاء، على العهد بأنني سأظل أتابع أولادك حتى ألقاك.

سياسة التعليقات لموقع ايه الاخبار
إن جميع التعليقات والمشاركات المدونة هنا إنما تعبر عن رأي كاتبها . ويكون مسئولا" عنها مسئولية قانونية وأدبية عن هذه التعليقات والمشاركات. ونهيب بجميع القراء والزوار الابتعاد عن التعليقات غير الهادفة أو التي تسئ لأي شخص أو جهة بأي حال من الأحوال .
التعليق بالفيس بوك