سليمان جودة يكتب: مات عبدالحميد!

سليمان جودة يكتب: مات عبدالحميد!
المصدر : الصباح العربي منذ : 1 شهر, 3 اسابيع, 1 يوم, 13 ساعات, 57 دقائق

سليمان جودة يكتب: مات عبدالحميد!

أتخيله فى هذه اللحظة، وهو فى الخامسة والسبعين من عُمره، وأتخيله الآن، وهو يقضى وقته مع أحفاده، ثم وهو يجد سعادته فى أن يحكى لهم ذكرياته أيام الحرب!   أتخيله.. وقد تقاعد من وظيفته، ليقضى العُمر من بعد الستين، وهو يحاول الإمساك بما تبقى فى رأسه من أيام قضاها فى سيناء، مدافعاً عنها بحياته التى لم يكن يملك شيئاً أغلى منها، ولو امتلكه لكان قد بذله فداء لها، دون أن يفكر فيه لحظة واحدة!   أتصوره.. وأحاول أن أستجمع ملامحه، وهو يتابع هذه الأيام معركة الشرف التى يخوضها الجيش والشرطة فى سيناء، وإصرارهما على ألا يكون لأهل الشر موطئ قدم على أرضها مهما كان الثمن!   أتصوره.. وهو يضحك بينه وبين نفسه من سذاجة الذين يزين لهم غباؤهم أن المصريين يمكن أن يفرطوا فى شبر واحد منها، فما رآه على رملها بعينيه، وقت حرب أكتوبر ٧٣، مع زملاء الحرب معه، يقطع بأن الأرض التى ارتوت بما ارتوت به هناك، إلى أن تحقق لنا النصر، لن تكون إلا لأصحابها، ولن تكون إلا لأبنائها الذين استردوها بالدم!   أتكلم عن الجندى مجند عبدالحميد محمد عبدالحميد، الذى عثر عمال الطرق على بقاياه فى وسط سيناء، قبل أيام، بينما كانوا يحفرون لشق طريق!   أتكلم عنه.. وقد عثروا معه على بطاقته التى تقول إنه من أبناء الفيوم، وإنه من مواليد ١٩٤٢، وإنه دفع حياته دفاعاً عن الأرض، وكان وقتها قد تجاوز الثلاثين بعام واحد، وكان يتهيأ لبدء حياته، لولا أنه بذلها راضياً، فى سبيل أن يعيش أبناء بلده من بعده مرفوعى الرأس!     ولم تكن بطاقته وحدها معه تحت الأرض، ولكن خطاب استدعائه للجيش كان مدفوناً معها!.. ومعهما عثروا على عدد ٢ خزنة سلاح!   ثم.. إلى جوار بطاقته، وجواب الاستدعاء، وذخيرة السلاح، عثروا على شىء آخر أهم!.. عثروا على ٣٥ قرشاً كانت هى كل ما فى جيبه، وقت أن سقط شهيداً!   ربما كان إلى قبل استشهاده بلحظة يفكر فيما سوف يشتريه لصغاره إذا عاد إليهم، وكان يجمع ويطرح ليرى ما إذا كانت الخمسة والثلاثون قرشاً ستكفى ما يريده لهم، وكان يحاول أن يستحضر ملامحهم أمام عينيه، وهو منشغل بهم، وبانتظارهم إياه!   وربما أيضاً فكر فى أن يكتب إليهم جواباً يُطمئنهم به عليه، إلى أن يعود، ولو كتبه لكان مكانه إلى جوار جواب الاستدعاء تحت الرمل!   مات عبدالحميد لتبقى سيناء مُحررة! نقلا عن صحيفة المصرى اليوم

سياسة التعليقات لموقع ايه الاخبار
إن جميع التعليقات والمشاركات المدونة هنا إنما تعبر عن رأي كاتبها . ويكون مسئولا" عنها مسئولية قانونية وأدبية عن هذه التعليقات والمشاركات. ونهيب بجميع القراء والزوار الابتعاد عن التعليقات غير الهادفة أو التي تسئ لأي شخص أو جهة بأي حال من الأحوال .
التعليق بالفيس بوك