رحيل رجلٍ بلا زوجة أو سيارة أو دكتوراه!

رحيل رجلٍ بلا زوجة أو سيارة أو دكتوراه!
المصدر : المصري اليوم منذ : 1 شهر, 3 اسابيع, 1 يوم, 6 ساعات, 9 دقائق

رحيل رجلٍ بلا زوجة أو سيارة أو دكتوراه!

هو الناقد السينمائى الأول فى مصر. ارتبط اسمه لسنوات طويلة بهذا الفن الرفيع. صارت مقالاته مرجعاً لكل من يهتمون بالتفاعل مع السينما بصورةٍ تتجاوز المُشاهدة العادية إلى مستوى المعرفة والتعمق. على أننى عرفتُ الرجل - الذى رحل عن عالمنا منذ أيام عن عمرٍ يقترب من التسعين - بصفة أخرى. كان مصطفى درويش (أو عمو مصطفى كما اعتدنا أنا وأخى أن نناديه) بطلاً من أبطال طفولتنا. أبطال الطفولة لهم دوماً مكانة راسخة فى القلبِ والوجدان، قلما يبرحونها حتى ولو فارقوا دُنيانا. مُنذ تفتح وعيى على الدنيا و«عمو مصطفى» صديقٌ مُقربٌ للعائلة. امتدت صداقته بوالدى لما يربو على الأربعين عاماً. كان نجم جلسات الصفاء التى تجمع الأصدقاء وخِلان الوفاء من مشارب مختلفة. هو أول من لفت انتباهى، بسَمتِه وأسلوبِه، إلى أن المثقف هو - فى الأصل - شخصٌ لطيف، مُحبب، سريع البديهة، حاضر النكتة، ذكى الخاطرة. فى الطفولة الباكرة كانت مُجالسته أحد مصادر البهجة فى حياتنا، حتى إننا كنا نسعد بها ونتطلع إليها كما ننتظر حلقة من مُسلسلاتنا المُفضلة. سُرعان ما ميزتُ بوعيى الطفولى أن هذا الرجل ليس كالآخرين. هو شخص متُفرد، بدليل أنه يُضحِكنا على أشياء لا نفهم مغزاها، ولكننا - مع ذلك - نضحك من الدراما التى تُصاحب أداءه للحكايات. من الاندماج والأداء المسرحى والمفاجآت المُستمرة. هو اعتاد - مثلاً - أن يُطلق أسماء «كودية» فُكاهية يكنى بها كبار المُثقفين والسياسيين. فى قاموسه؛ إبراهيم نافع هو «إبراهيم مش نافع»، والضباط الأحرار هم «الضباط الأشرار».. إلخ. عند لحظةٍ مُعينة بدأتُ أتساءل عن العمل الذى يقوم به هذا الشخص الذى يبدو سعيداً رائق المزاج على الدوام. هنا، عرفتُ أن مصطفى درويش له عملان. هو قاضٍ كبير (وصل إلى منصب نائب رئيس مجلس الدولة)، ولكن عمله الأساسى هو النقدُ السينمائى. يا لها من مهنة ممتعة؛ أن يكسب المرءُ عيشه من مشاهدة الأفلام والتعليق عليها. هكذا بدأ الطفل يتطلع إلى المثقف الكبير الممتلئ ألمعيةً، والمُشع بهجةً على الناس. أريد أن أكون مثل «عمو مصطفى». كان الرجلُ يعيش مهنته ولا يكتفى بأدائها. على يديه، ومن خلاله، أحببنا - أنا وأخى - السينما صغاراً وشباباً. ملأنا البيت بأشرطة الفيديو المُسجلة لعيون الأفلام المصرية والعالمية التى كان يُذيعها التليفزيون. اقتربنا قليلاً، عبر حكاياته، من العالم المُصاحب للسينما. عالم التأليف والتمثيل والنجوم. هو أيضاً كان يعرف كيف يجذب اليافعين مثلنا إلى دائرة الافتتان بالفن السابع. عرض التليفزيون المصرى ذات مرةٍ فيلم «قارب النجاة» للمخرج العالمى الشهير هتشكوك. تعمد درويش، من باب إثارة فضول شاب مثلى، أن يختبر قدرتى على الملاحظة. هتشكوك اعتاد الظهور فى كل أفلامه فى مشهد عابر أو شخصية كومبارس (ما يُعرف بـ «الكاميو»). ولكن هذا الفيلم يدور كلُه فى قارب بعدد مُحدود من الأبطال، فأين يا تُرى ظهر هتشكوك؟. لما فشلتُ، قال فى مرحٍ طفولى: ظهر فى صورة على صفحة جريدة كان يقرأها أحدُ رواد قارب النجاة!. هكذا كان درويش.. فى حالة من الاستمتاع الدائم بالسينما. تتضاعف متعته عندما يُشرك الآخرين فى هذه المتعة اللذيذة الراقية. بالنسبة إلىّ، كان الرجلُ (الذى عرفناه شيخاً) فى حالة من «اللعب الدائم». لعبه بالكلام، لم يكن سوى أحد أوجه لعبه بالحياة ذاتها!. على أن هذا لا يعنى بأى حالٍ أنه كان عابثاً، أو أن أسلوبه فى الحياة كان يفتقر إلى الجدية اللازمة. على العكس، لقد اعتاد أبى أن يضرِب به المثل لى - وأنا بعدُ يافعٌ - كنموذج على الجدية المتواصلة، والمداومة على المُتابعة من أجل تمام الصنعة وإيفائها حقها، وتنظيم الوقت من أجل إنجاز العمل، وترويض النفس وحرمانها من المُتع الدنيا من أجل متع أعلى وأرفع. وبسبب هذه الجدية وحدها، تمكن درويش من أن يراكم إنجازاً حقيقياً فى مجاله (رغم أنه عاش حياته جامعاً بين وظيفتين). فإليه يعود الفضل فى اجتذاب الكثيرين - عبر أجيال مختلفة - إلى «نداهة السينما»، خاصة عبر رئاسته نادى السينما لفترةٍ شهد الجميعُ أنها كانت العصر الذهبى للنادى. كان مصطفى درويش مثقفاً بالمعنى الشامل للكلمة. كانت حياته هى الثقافة ومحبة المعرفة وتحصيلها. هو ورقة من الأوراق القليلة الباقية على أغصان شجرة الجيل العظيم الذى تفتح وعيه مع الحرب العالمية الثانية. كان هذا الجيل منفتحاً على العالم الغربى بصورة لم تتكرر بعدها. هو الجيل الذى يمثل حصيلة غرس جيل ثورة 19 المؤسِّس. ثقافته الأجنبية واسعة وعميقة ومُتشعبة. معرفته باللغات والآداب والحضارة الغربية تقف على أرضية صلبة. ومن عجبٍ أن هذا الانفتاح على الثقافة الغربية لم يأت أبداً على حساب إتقان اللغة الأم أو الإلمام الجيد بالتُراث العربى. ومقالات مصطفى درويش فى مجلة «الهلال» شاهد على هذا. هى نموذج للكتابة الجميلة المرصعة والشائقة بلغة الضاد. اندمج درويش مع اليسار - بالتعاطف - لفترة، ثم ما لبث أن انقلب إلى النقيض. ومثل الكثيرين من أبناء هذا الجيل العظيم، كانت ثقافته فى السياسة العالمية والشؤون الدولية تصل إلى درجة التخصص. وفى مكتبة كاتب السطور كتاب أهداه إليه - فى فترة الشباب والتكوين- عنوانه «الدبلوماسية» لهنرى كيسنجر.. وكان لهذا الكتاب فَضْلٌ غير قليل فى تحويل دفة اهتمام كاتب السطور إلى السياسات الدولية والتاريخ الدبلوماسى. كثيراً ما ساءلتُ نفسى عن السر وراء سعادة مصطفى درويش ورضائه عن ذاته. هو اعتاد أن يقول عن نفسه إنه Wifeless وCarless وDocless.. أى أنه رجلٌ بلا زوجة أو سيارة أو شهادة الدكتوراة (التى صار التفاخر بها مرضاً بين المثقفين!). لقد آثر درويش أن يُنفق عمره فيما يحب حقاً، وبالصورة التى تجلب له السعادة. فى المقابل، ترفّع عن الانغماس فيما ينفق فيه السواد الأعظم من الناس جُل وقتهم وجهدهم، عارفاً بأن الإنسان لا يُمكن له الحصول على كل شيء. كان مُتجرداً بحق، منصرفاً إلى سعادته الذاتية كما يتصورها، لا كما يرسمها المجتمع. حياته كانت عنواناً للمتعة والعذاب. متعة التفرد وعذاب الاختلاف. ولكنها بالتأكيد لم تكن حياةً عادية، فقلما يجود الزمان بأُناس يعيشون حياتهم كما يريدون حقاً!.

سياسة التعليقات لموقع ايه الاخبار
إن جميع التعليقات والمشاركات المدونة هنا إنما تعبر عن رأي كاتبها . ويكون مسئولا" عنها مسئولية قانونية وأدبية عن هذه التعليقات والمشاركات. ونهيب بجميع القراء والزوار الابتعاد عن التعليقات غير الهادفة أو التي تسئ لأي شخص أو جهة بأي حال من الأحوال .
التعليق بالفيس بوك