نحن والتجربة الفرنسية.. كيف تتحول انتخابات الرئاسة إلى «ثورة»؟

نحن والتجربة الفرنسية.. كيف تتحول انتخابات الرئاسة إلى «ثورة»؟
المصدر : المصري اليوم منذ : 1 شهر, 1 اسبوع, 5 ايام, 16 ساعات, 10 دقائق

نحن والتجربة الفرنسية.. كيف تتحول انتخابات الرئاسة إلى «ثورة»؟

وبان من الكتاب أن كثيرين يعتقدون أن صندوق الانتخاب الشفاف بات بديلا عن الثورة فى المجتمعات الديمقراطية، أو هو الثورة الجديدة فى التاريخ البشرى التى أنهت الأنماط التقليدية المعروفة من الثورات. فالمواطنون هناك لا يحتاجون إلى الثورة على من بيده مقاليد الأمور حتى يخلعوه من منصبه، ويكفيهم الصبر عليه حتى تنتهى فترة حكمه التى تحددها الدساتير، ثم يصوتوا لرحيله، أو لإزاحة الحزب الذى يمثله عن السلطة. لكن هذه الأطروحة لم تلقَ موافقة من بعض مؤلفى الكتاب الذين قدموا ردودا قوية على كل من كان يعتقد أن عصر الثورات قد انتهى، وقالوا إن الأجدر بالمفكرين مناقشة التغيرات التى طرأت على أساليب الثورات والثقافة السياسية المرافقة لها. فما دام هناك نظم حاكمة تمارس الاستبداد والاستعباد والظلم الاجتماعى المنظم والقهر وإهدار كرامة الإنسان فإن الثورة عليها أمر قائم وإن تأخر بعض الوقت. جاءت الثورات والانتقاضات العربية لتقول إن عصر غضب الجماهير ونزولها الشوارع لم ينتهِ، كما قال الكتاب، ثم جاءت الانتخابات الفرنسية لتقول إن الشعوب يمكن أن تثور وتسقط النظام بالوقوف فى طوابير الانتخابات الطويلة، فهل كان الفرنسيون ينتظرون ثورة؟ أجبت عن هذا السؤال فى مقال قديم لى نشرته فى إبريل 2014، فى المقطع المقبل نصه كاملا. (3) «الفرنسيون ينتظرون ثورة الآن».. هكذا قالتها لى وهى تضغط على الحروف فى ثقة متناهية. هى طالبة دراسات عليا فى السوربون تعد أطروحة للماجستير عن دور المثقفين والأكاديميين فى الثورة المصرية، ولهذا طلبت لقائى كواحد من عينة اختارتها لإجراء مقابلات معمقة معها. ورحت أتابعها بينما عيناى تراقبان الفرنسيين وهم ينهبون الشوارع عند الظهيرة، وكثيرون منهم يجلسون على المقاهى والمطاعم التى تتعب فى عدها خلف شارع الشانزلزيه، ليلتهموا شيئا يملأ بطونهم، ويحتسوا ما ينبههم أو يهدئ أعصابهم فى فترة الراحة بين عمل يومى يمتد إلى سبع ساعات. ما تستند إليه باحثة السوربون فى كلامها أن معدل البطالة مرتفع بين الشباب، والفساد تتسع رقعته ماليا وإداريا وسياسيا، والثقة فى السياسيين تتراجع، والناس لا يجدون فرقا حقيقيا بين اليمين واليسار، ونسبة كبيرة من الفتية والفتيات يميلون إلى الفكر الأناركى، الذى يسعى إلى إنهاء سلطة الدولة أو تسلطها، والاتجاهات الشيوعية كذلك التى تميل كل الميل إلى إعادة توزيع الثروة، وكثير منهم لا يعلق آمالا على الأحزاب السياسية، ويعزفون عن المشاركة فى الانتخابات. وتستند فى كلامها إلى أن عددا من أساتذتها أبدوا إعجابهم بما فعله الشباب المصرى، وتوقعوا أن يغضب شبان فرنسا فى يوم ليس بالبعيد على غرار ما فعلوه عام 1968، ويعطوا مؤشرا على هذا بزيادة متدرجة فى نسبة ما يحصل عليه اليمين المتطرف فى الانتخابات البرلمانية المتتابعة، وهو من دون شك تصويت عقابى للأحزاب الرئيسة. الغريب فى هذا الكلام هو فقدان قطاع من الجيل الجديد فى فرنسا لآليات الديمقراطية، ومنها «صندوق الانتخاب» الذى رأى باحثون غربيون كثيرون أنه أصبح بديلا عن الثورات، إذ إن الشعب لا يحتاج إلى أن ينزل الشوارع بالملايين لإسقاط الحكومة إنما يصل إلى هذا من خلال الوقوف فى طوابير الانتخاب، وتلقينها درسا بليغا. لكن شباب فرنسا يتعاملون مع هذا الصندوق على أنه مسألة شكلية، رغم كل الضمانات الراسخة المتوفرة لنزاهة الانتخاب وولاء من يختارهم الناس للوطن والدولة والمجتمع، وإيمانهم بتداول السلطة والتعددية الحزبية والسياسية، ولا يجدون من بين الساسة الكبار من هو جدير بالاحترام الكبير، مثلما كان لشارل ديجول وفرانسوا ميتران، ولهذا كله راحت قواعد الأحزاب تتآكل، وحجم عضويتها يتراجع. «ليس الأمر على هذا النحو بالضبط، هناك غضب وغبن من أشياء كثيرة، لكن الدولة لا تزال توفر خدمات وتأمينات جيدة للمواطنين تحقق قدرا معقولا من الرضاء، ولهذا يمكن أن نتوقع مظاهرات أو احتجاجات هنا وهنا، لن تصل إلى حد الثورة.. هذا ما قاله لى عمر حشيش، وهو مهندس مصرى نابه، يعيش فى باريس منذ أكثر من ربع قرن، مقللا من أهمية غضب الشباب، لأن أغلبية الشعب الفرنسى أعمارهم متوسطة، ومن بين هؤلاء، إلى جانب كبار السن، من يحرصون على المشاركة فى الانتخابات، ولا يميلون إلى تغييرات فجائية، تعيد إلى أذهانهم ما جرى فى 1968 أو ما قرأوه عن الثورة الفرنسية. ومع هذا ينقل حشيش عن ضابط فرنسى قوله، وهو يقف فى الشارع لحماية مظاهرة نظمها الأوكرانيون فى باريس: ما حدث فى العالم العربى قد يمتد إلى أوروبا الغربية، ولن يقتصر الأمر على أوكرانيا فقط.. إنها السياسات الأمريكية الرامية إلى إعادة هيكلة العالم بأسره بما يجعل الولايات المتحدة مستمرة على القمة. هذا ما يفكر فيه رجل أمن فرنسى، وربما لا يكون ما قاله نابعا من رأسه بقدر ما هو ناجم عن معلومات لدى الجهاز الذى يعمل فيه. ورغم تذمر الفرنسيين من الجاليات الأجنبية العريضة فى بلادهم، عربا وأفارقة وأرووبيين شرقيين وآسيويين ولاتينيين، إلا أن خوفهم من الفوضى التى يمكن أن يحدثها هؤلاء، وهم فوق عشرة الملايين، يجعل رجال فرنسا ونساءها يفكرون ألف مرة قبل النزول إلى الشوارع فى احتجاجات عريضة، لكن الشباب، لا سيما الأناركيين والشيوعيين، لا يحسبونها أبدا، بل إن انهيار السلطة هو جزء مما يؤمنون به، ولذا قد يطلقون ضربة البداية فى أى لحظة، إن لم يحدث شىء فارق يغير هذا الاتجاه تماما». انتهى المقال القديم، لنحاول الإجابة عن السؤال الوارد فى المقطع الأول. (4) هل يكرر المصريون التجربة الفرنسية فى الانتخابات الرئاسية المقبلة؟ هذا سؤال اللحظة فى نظرى. فالسلطة التى حكمت بعد ثورة يناير بنت خطة محكمة لتنفير الناس من الثورة، باعتبارها إما «مؤامرة» أو «فوضى»، رغم أن ما نحن فيه الآن هو جراء تدابير وتصرفات القوى المضادة للثورة، والتى حكمت ولا تزال، وليست الثورة، التى كل ما فعلته أنها رفعت الغطاء عن القبح والفساد والعفن الذى تراكم على مدار عقود من الزمن. المهم أن الأغلبية الكاسحة من المصريين، ولأسباب عديدة ومركبة، لم تعد راضية عن الحكم الحالى، لكنها تخشى النزول إلى الشارع خوفا على البلاد التى تواجه إرهابا أسود. وتستغل السلطة هذه النقطة بشدة، وتبتز الناس بلا هوادة، وتفعل ما تريد ضد مصالح الأغلبية، وهى معتقدة أنهم لن يثوروا مرة أخرى، لأن حبهم لبلدهم أكبر بكثير من كراهيتهم للسلطة أو حنقهم عليها، أو أنها نجحت فى غسل أدمغتهم على النحو الذى يجعلهم يفضلون القعود والركود، كما أن القوى التى تخاصم حكم السيسى والمتمثلة فى جماعة الإخوان ومن معها، لم تعد قادرة على تحريك الشارع، بعد أن لفظها الناس. يبقى بوسعنا أن نغير من خلال صندوق الانتخابات الرئاسية المقبل اعتمادا على أنفسنا، وبطريقة آمنة، ليس بمقدور الميليشيا الدعائية للسلطة أن تنعتها بأنها مؤامرة أو فوضى، وذلك بشرطين: الأول، وهو الأساسى، أن نناضل من الآن فى سبيل وضع ضمانات لانتخابات حرة وعادلة ونزيهة وشفافة، ويتمتع فيها المتنافسون بتكافؤ الفرص. والثانى أن نلتف حول شخصية أخرى لديها برنامج حقيقى ندرك أنه سيقيل مصر من عثرتها. وهذا ليس صعبا أبدا فى بلد فيها مئات الآلاف من حملة الدكتوراه والماجستير فى التخصصات كافة، ومئات القضاة الكبار، وآلاف المحامين الكبار، ومئات الآلاف من الأطباء والمهندسين والمعلمين، ووجهاء المجتمع المدنى وكبار المديرين والإداريين، ولنتذكر أن من يحكم الآن، وهو الرئيس عبدالفتاح السيسى، لم يكن معروفا للأغلبية الكاسحة قبل أغسطس 2012 حين تم تعيينه وزيرا للدفاع بقرار من الرئيس المعزول محمد مرسى. المهم أن نفكر من الآن، ونبدأ العمل.

سياسة التعليقات لموقع ايه الاخبار
إن جميع التعليقات والمشاركات المدونة هنا إنما تعبر عن رأي كاتبها . ويكون مسئولا" عنها مسئولية قانونية وأدبية عن هذه التعليقات والمشاركات. ونهيب بجميع القراء والزوار الابتعاد عن التعليقات غير الهادفة أو التي تسئ لأي شخص أو جهة بأي حال من الأحوال .
التعليق بالفيس بوك